فصل: فِي قَسْمِ الْفَيْءِ وَأَرْضِ الْخَرَاجِ وَالْخُمْسِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المدونة (نسخة منقحة)



.فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ بِلَادَ الْحَرْبِ فَيَشْتَرِي عَبِيدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ:

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ عَبِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ أَحَرَزَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِلَادَهُمْ بِأَمَانٍ، فَاشْتَرَى أُولَئِكَ الْعَبِيدَ مِنْهُمْ أَيَكُونُ لِسَادَاتِهِمْ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ مِنْ هَذَا الَّذِي اشْتَرَاهُمْ بِغَيْرِ ثَمَنٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَأْخُذُوهُمْ إلَّا بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهُمْ بِهِ، قُلْت: وَكَذَلِكَ الْعَبِيدُ لَوْ كَانُوا هُمْ الَّذِينَ أَبِقُوا إلَى بِلَادِ الْحَرْبِ فَاشْتَرَاهُمْ هَذَا الرَّجُلُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبِيدِ إذَا وَقَعُوا فِي الْغَنَمِ وَاقْتَسَمُوا أَنَّ الْآبِقَ وَغَيْرَ الْآبِقِ سَوَاءٌ لَيْسَ لِسَادَاتِهِمْ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ إلَّا بِالثَّمَنِ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ أَحْرَزُوا عَبِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ أَرْضَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَوَهَبَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ لِهَذَا الرَّجُلِ أَوْ بَاعُوهُمْ مِنْهُ ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، أَيَكُونُ لِسَادَاتِهِمْ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ بِغَيْرِ شَيْءٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنْ كَانُوا وَهَبُوهُمْ لَهُ وَلَمْ يُكَافِئْ عَلَيْهِمْ فَذَلِكَ لَهُمْ، وَأَمَّا مَا ابْتَاعَهُ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ إلَّا أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ الثَّمَنَ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ الْمُشْتَرِي، وَكَذَلِكَ إنْ كَافَأَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لِسَادَاتِهِمْ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ إلَّا بَعْدَ غُرْمِ الْمُكَافَأَةِ الَّتِي كَافَأَ بِهَا.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَ قَدْ بَاعَهُ هَذَا الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ أَوْ بَاعَهُ هَذَا الَّذِي وُهِبَ لَهُ؟
قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يَنْفُذَ الْبَيْعُ وَيَرْجِعَ صَاحِبُهُ بِالثَّمَنِ عَلَى الَّذِي وُهِبَ لَهُ فَيَأْخُذَ مِنْهُ مَا أُخِذَ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَالَ غَيْرُهُ: يَنْقُضُ الْبَيْعُ وَيُرَدُّ إلَى صَاحِبِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مَا أَخَذَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا الَّذِي ابْتَاعَهُ فَأَرَى لَهُ الثَّمَنَ الَّذِي بِيعَ بِهِ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ الْمُسْتَحَقِّ لَهُ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ الْمُشْتَرِي إنْ أَحَبَّ.
قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ حُرًّا، اشْتَرَيْته مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَسِيرًا فِي أَيْدِيهِمْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَيْته بِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قَالَ: نَعَمْ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت أُمَّ وَلَدٍ لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ أَرْضِ الْحَرْبِ قَدْ كَانُوا أَسَرُوهَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُتْبَعَ سَيِّدُهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ.
قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي أُمِّ وَلَدِ الْمُسْلِمِ، إذَا سَبَاهَا الْعَدُوُّ ثُمَّ اشْتَرَاهَا رَجُلٌ مِنْ الْمَغْنَمِ، ثُمَّ يَأْخُذُهَا سَيِّدُهَا أَبِقِيمَتِهَا أَمْ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: بَلْ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَيُجْبَرُ سَيِّدُهَا، عَلَى أَخْذِهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ سَيِّدِهَا ثَمَنٌ، رَأَيْت أَنْ تَدْفَعَ إلَيْهِ وَلَا تُقِرُّ فِي يَدِ هَذَا يَطَأُ أُمَّ وَلَدِ رَجُلٍ أَوْ يَنْظُرُ مِنْهَا مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَيَتْبَعُ بِثَمَنِهَا سَيِّدَهَا دَيْنًا عَلَيْهِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي أُمِّ وَلَدِ رَجُلٍ سَبَاهَا الْعَدُوُّ ثُمَّ بِيعَتْ فِي الْمَقَاسِمِ فَاشْتَرَاهَا رَجُلٌ فَاعْتَرَفَهَا سَيِّدُهَا؟
قَالَ: أَرَى لِمُشْتَرِيهَا عَلَى سَيِّدِهَا الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ، كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ أَقَلَّ، وَأَرَى إنْ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا أَنْ يَقْبِضَهَا سَيِّدُهَا وَيَكْتُبَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُتْرَكَ أُمُّ وَلَدِ رَجُلٍ عِنْدَ رَجُلٍ لَعَلَّهُ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا أَوْ يَرَى مِنْهَا مَا لَا يَنْبَغِي لَهُ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي حَرَائِرَ أَصَابَهُنَّ الْعَدُوُّ فَابْتَاعَهُنَّ رَجُلٌ، فَلَا تُصِبْهُنَّ وَلَا تَسْتَرِقَّهُنَّ وَلَكِنْ تُعْطِيهِنَّ أَنْفُسَهُنَّ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُنَّ بِهِ وَلَا يَزْدَادُ عَلَيْهِنَّ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ ذَلِكَ عَبْدُ الْكَرِيمِ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَكَذَلِكَ.
ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ ابْتَاعَ أَسِيرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ حُرًّا مِنْ الْعَدُوِّ فَهُوَ حُرٌّ وَعَلَيْهِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ.
يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ عَرَفَ أُمَّ وَلَدِهِ فِي أَرْضِ الرُّومِ وَقَدْ خُمِّسَتْ، وَأُعْطِيَ أَهْلُ النَّفْلِ نَفْلَهُمْ وَأُعْطِيَ الْقَوْمُ الَّذِينَ هِيَ لَهُمْ؟
قَالَ: أَرَى إنْ قَدْ أَحْرَزَهَا الْعَدُوُّ حِينَ عَادَتْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَنَرَى أَنْ يَأْخُذَهَا بِقِيمَةِ عَدْلٍ مِنْ أَجْلِ مَا فِيهَا مِنْ الرِّقِّ، وَلَوْ كَانَتْ عَتَقَتْ رَأَيْت أَنْ لَا تُؤْخَذَ فِيهَا فِدْيَةٌ وَلَا يَسْتَرِقَّ أَحَدًا عَتَقَهُ اللَّهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حِينَ نَفَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ.
اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ سَبَاهَا الْعَدُوُّ ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُمْ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَرَادَ أَنْ يَطَأَهَا.
قَالَ: لَا يَطَؤُهَا وَلَكِنْ لَهُ الثَّمَنُ الَّذِي أَعْطَى بِهَا وَهِيَ عَلَى أَمْرِهَا أَيْ دِينِهَا.

.فِي الذِّمِّيَّةِ وَالْمُسْلِمَةِ يَأْسِرُهُمَا الْعَدُوُّ ثُمَّ يَغْنَمُهُمَا الْمُسْلِمُونَ وَأَوْلَادَهُمَا:

قُلْت: أَرَأَيْت الْمَرْأَةَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَأْسِرُهَا الْعَدُوُّ فَتَلِدُ عِنْدَهُمْ أَوْلَادًا، ثُمَّ يَغْنَمُهَا الْمُسْلِمُونَ أَيَكُونُ أَوْلَادُهَا فَيْئًا أَمْ لَا يَكُونُ فَيْئًا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَرَى أَوْلَادَهَا بِمَنْزِلَتِهَا لَا يَكُونُونَ فَيْئًا، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ تُسْبَى فَتَلِدُ الْأَوْلَادَ فَإِنَّ أَوْلَادَهَا بِمَنْزِلَتِهَا.
قُلْت: أَرَأَيْت الْمَرْأَةَ الْمُسْلِمَةَ تُسْبَى فَتَلِدُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَرْبِ فَتُغْنَمُ وَمَعَهَا أَوْلَادٌ صِغَارٌ أَوْ كِبَارٌ، وَالْأَمَةَ تُسْبَى فَتَلِدُ عِنْدَهُمْ فَتُغْنَمُ وَمَعَهَا أَوْلَادٌ صِغَارٌ أَوْ كِبَارٌ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَمَّا الْحُرَّةُ الْمُسْلِمَةُ فَمَا سُبِيَتْ بِهِ مِنْ وَلَدٍ صَغِيرٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهَا وَهُوَ يَتْبَعُ لَهَا، وَمَا كَانَ مِنْ وَلَدٍ كَبِيرٍ قَدْ بَلَغَ وَقَاتَلَ وَاحْتَلَمَ فَأَرَاهُ فَيْئًا، وَأَمَّا مَا سُبِيَتْ بِهِ الْأَمَةُ مِنْ وَلَدٍ كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ فَهُوَ لِسَيِّدِهَا وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ وَلَدِهَا فَيْئًا وَهَذَا رَأْيِي.
قال سَحْنُونٌ: وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْوَلَدِ الصَّغِيرِ يُسْبَى مَعَ الْحُرَّةِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ.

.فِي الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ وَفِي يَدَيْهِ عَبِيدٌ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ:

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ عَبِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ أَسَرَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ ثُمَّ دَخَلَ إلَيْنَا رَجُلٌ مَنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَالْعَبِيدُ مَعَهُ، أَيُعْرَضُ لَهُ وَيُؤْخَذُ الْعَبِيدُ مِنْهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يُؤْخَذُونَ مِنْهُ وَهُوَ رَأْيِي.
قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ دَخَلَ بِهِمْ هَذَا الْحَرْبِيُّ مُسْتَأْمَنًا فَأَسْلَمَ عِنْدَنَا؟
قَالَ: هُوَ حِينَ أَسْلَمَ قَدْ صَارَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِمْ أَنْ يَأْخُذَهُمْ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ كَانَ مُمْتَنِعًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَسْلَمَ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى أَمْوَالٍ فِي أَيْدِيهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ قَدْ أَحْرَزَهَا؛ عَبِيدًا كَانَتْ الْأَمْوَالُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ أَيْدِيهِمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِالثَّمَنِ وَلَا بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ تَبَايَعُوا ذَلِكَ بَيْنَهُمْ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ اشْتَرَاهُ أَوْ أَحْرَزَهُ هُوَ لِنَفْسِهِ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ.
قُلْت: أَسَمِعْت هَذَا مِنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا إلَّا مَا أَخْبَرْتُك فِي أُمِّ الْوَلَدِ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْحَرْبِيَّ يَدْخُلُ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ وَمَعَهُ عَبِيدٌ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ قَدْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ أَحْرَزُوهُمْ، أَيَأْخُذُهُمْ سَادَاتُهُمْ بِالْقِيمَةِ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُمْ، قُلْت: وَإِنْ بَاعُوهُمْ مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَيَأْخُذُهُمْ سَيِّدُهُمْ بِالثَّمَنِ؟
قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ، لِأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا هَؤُلَاءِ الْعَبِيدِ فِي يَدِ الْحَرْبِيِّ الَّذِي نَزَلَ بِأَمَانٍ وَسَيِّدُهُمْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِمْ مِنْهُ وَلَا يَكُونُ لِسَيِّدِهِمْ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بَعْدَ الْبَيْعِ، قُلْت: أَتَحْفَظُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ لَا وَلَكِنَّهُ رَأْيِي وَلَا يُشْبِهُ الَّذِي اشْتَرَى مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، لِأَنَّ الَّذِي اشْتَرَى فِي دَارِ الْحَرْبِ لَوْ وَهَبَهُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ بِهِ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَخَذَهُ صَاحِبُهُ بِلَا ثَمَنٍ، وَإِنَّ هَذَا الَّذِي خَرَجَ بِهِ وَدَخَلَ عَلَيْنَا بِأَمَانٍ هُوَ عَبْدُهُ، وَلَوْ وَهَبَهُ لِأَحَدٍ لَمْ يَأْخُذْهُ سَيِّدُهُ عَلَى حَالٍ لِأَنَّ سَيِّدَهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الَّذِي كَانَ فِي يَدَيْهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَأْخُذُهُ مِنْ الَّذِي وُهِبَ لَهُ.
قُلْت: أَرَأَيْت مَا غَنِمَ أَهْلُ الشِّرْكِ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَسْلَمُوا عَلَيْهِ، أَيَكُونُ لَهُمْ وَلَا يُرَدُّ ذَلِكَ إلَى سَادَاتِهِمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ هُمْ أَحَقُّ بِمَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ عِنْدَنَا بَيِّنٌ ثَابِتٌ أَنَّ مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ دُونَ أَرْبَابِهِمْ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ».
قال سَحْنُونٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمُوا عَلَى نَاسٍ مِنْ أَهْلِ ذِمَّتِنَا كَانُوا رَقِيقًا لَهُمْ، وَأَهْلُ ذِمَّتِنَا كَغَيْرِنَا.

.فِي الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ ثُمَّ يَغْنَمُ الْمُسْلِمُونَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ:

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَسْلَمَ فِي بِلَادِ الْحَرْب رَجُلٌ مِنْهُمْ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا وَتَرَكَ مَالَهُ وَوَلَدَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَغَزَا الْمُسْلِمُونَ بِلَادَهُمْ فَغَنِمُوهُمْ وَمَالُ هَذَا الْمُسْلِمِ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَالُهُ وَوَلَدُهُ وَأَهْلُهُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْت مَالِكًا عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَسْلَمَ ثُمَّ غَزَا الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الدَّارَ فَأَصَابُوا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ؟
قَالَ مَالِكٌ: أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ الْفَيْءِ؟
قَالَ: فَدَلَّ سَيِّدَهُ عَلَى مَالِهِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ أَوْ لِغَيْرِهِ عَتَقَ الْعَبْدُ أَوْ لَمْ يُعْتَقْ أَوْ كَانَ كَافِرًا لَمْ يُسْلَمْ؟ قَالَ رَبِيعَةُ: إنْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا أَوْ أَقَامَ عَلَى دِينِهِ، أَوْ كَانَ عَبْدًا فَذَلِكَ الْمَالُ مَالُ حَرْبٍ لَيْسَ لِلْعَبْدِ وَلَا لِسَيِّدِهِ، وَلَيْسَ لِلْجَيْشِ الَّذِي كَانَ مَعَهُمْ إذَا قَفَلُوا قَبْلَ أَنْ يَدُلَّهُ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا دَلَّهُ فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى فَإِنَّمَا ذَلِكَ فَيْءٌ لِلْجَيْشِ الَّذِي خَرَجَ فِيهِمْ، فَإِنْ كَانَ دَلَّهُ بَعْدَ أَنْ اشْتَرَاهُ وَقَفَلَ بِقُفُولِ الْجَيْشِ الَّذِي كَانُوا سَبَوْهُ، فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانَ فِيهِمْ وَمَالٌ لِعَبْدٍ فِي ذَلِكَ، وَمَالُ غَيْرِهِ مِنْ الرُّومِ بِمَنْزِلَةٍ، سَوَاءٌ هُوَ عَلَى ذَلِكَ الْجَيْشِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا وَجَدَ الْمَالَ وَدَلَّ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ سُبِيَ الْعَبْدُ فَقَدْ انْقَطَعَ الْمَالُ مِنْهُ وَأُبِينَ.

.فِي التَّاجِرِ يَدْخُلُ بِلَادَ الْحَرْبِ فَيَشْتَرِي عَبْدَ الْمُسْلِمِ فَيُعْتِقُهُ:

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ عَبِيدًا لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ حَازَهُمْ أَهْلُ الشِّرْكِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَرْضَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَاشْتَرَاهُمْ فَأَعْتَقَهُمْ، وَأَغَارَ أَهْلُ الشِّرْكِ عَلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَحَازُوا رَقِيقًا لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ غَنِمَهُمْ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ يَعْلَمُوا بِهَؤُلَاءِ الرَّقِيقِ أَنَّهُمْ كَانُوا لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَقَسَمُوهُمْ وَصَارُوا فِي سُهْمَانِ الرِّجَالِ فَأَعْتَقُوهُمْ، ثُمَّ أَتَى سَادَاتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَيُنْتَقَضُ الْعِتْقُ وَيَرُدُّوهُمْ رَقِيقًا إلَى سَادَاتِهِمْ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا إنْ أَعْتَقُوهُمْ فَالْعِتْقُ جَائِزٌ لَا يُرَدُّونَ وَلَا يَكُونُونَ سَادَاتُهُمْ أَحَقَّ بِهِمْ بِالثَّمَنِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ سَادَاتُهُمْ أَحَقَّ بِالثَّمَنِ مَا لَمْ يَدْخُلْهُمْ الْعِتْقُ، وَكَذَلِكَ الَّذِي اشْتَرَاهُمْ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ مَا لَمْ يُعْتِقْهُمْ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ ادْفَعْ إلَيْهِ الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ وَخُذْ عَبْدَك، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَك وَلَيْسَ لِلَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ، لَوْ أَوْصَى بِذَلِكَ سَيِّدُ الْعَبْدِ وَإِنَّمَا الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ إلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مُشْتَرِيَهُ كَانَ ضَامِنًا لَوْ مَاتَ فِي يَدَيْهِ وَإِنْ سَيِّدَهُ لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهُ أَخْذُهُ، فَلِذَلِكَ ثَبَتَتْ عَتَاقَتُهُ وَلَمْ يُرَدَّ، وَكَذَلِكَ سَمِعْت فِيهِ عَنْ بَعْضِ مَنْ مَضَى وَهُوَ الَّذِي آخُذُ بِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ جَارِيَةً وُطِئَتْ فَحَمَلَتْ، كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِلَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ، أَوْ وَقَعَتْ فِي سُهْمَانِهِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعِتْقِ إذَا ثَبَتَ وَلَا يَرُدُّ، وَكَذَلِكَ سَمِعْت عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.

.فِي الذِّمِّيِّ يَنْقُضُ الْعَهْدَ وَيَهْرُبُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَيَغْنَمُهُ الْمُسْلِمُونَ:

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ حَارَبُوا وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ وَأَخَافُوا السَّبِيلَ وَقَتَلُوا فَأَخَذَهُمْ الْإِمَامُ أَيَكُونُ فَيْئًا أَمْ يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إذَا حَارَبُوا؟
قَالَ: أَمَّا إذَا خَرَجُوا حِرَابًا مُحَارِبِينَ يَتَلَصَّصُونَ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إذَا حَارَبُوا، وَأَمَّا إذَا خَرَجُوا وَمَنَعُوا الْجِزْيَةَ وَنَقَضُوا الْعَهْدَ وَامْتَنَعُوا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْلِمُوا، فَهَؤُلَاءِ فَيْءٌ وَهَذَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَعْدِلُ فِيهِمْ.
قُلْت: أَرَأَيْت الذِّمِّيَّ إذَا هَرَبَ وَنَقَضَ الْعَهْدَ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيُرَدُّ إلَى جِزْيَتِهِ وَلَا يَقَعُ فِي الْمَقَاسِمِ؟
قَالَ: أَرَاهُمْ فَيْئًا إذَا حَارَبُوا وَنَقَضُوا الْعَهْدَ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ يَرْكَبُونَ بِهِ فَأَرَاهُمْ فَيْئًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ ظُلْمٍ رَكِبُوا بِهِ فَأَرَى أَنْ يُرَدُّوا إلَى ذِمَّتِهِمْ وَلَا يَكُونُوا فَيْئًا.
قُلْت: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْت لَك مِنْ الْحِرَابَةِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ أَحْفَظُهُ عَنْهُ، وَأَمَّا الَّذِينَ امْتَنَعُوا مِنْ الْجِزْيَةِ وَنَقَضُوا الْعَهْدَ وَالْإِمَامُ يَعْدِلُ فِيهِمْ، فَلَقَدْ مَضَتْ فِي هَذَا السُّنَّةُ مِنْ الْمَاضِينَ فِيمَنْ نَقَضَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْعَهْدَ أَنَّهُمْ يُسْبَوْا، مِنْهَا الْإِسْكَنْدَرِيَّة قَاتَلَهُمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ الثَّانِيَةُ وَسُلْطَيْسُ قُوتِلَتْ ثَانِيَةً وَسُبِيَتْ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يَعُودُ الْحُرُّ إلَى رِقٍّ أَبَدًا وَيُرَدُّونَ إلَى ذِمَّتِهِمْ وَلَا يَكُونُونَ فَيْئًا.
ابْنُ وَهْبٍ، قَدْ ذَكَرَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ فِي بِلَهِيبِ وَسُلْطَيْسَ، أَنَّهُمْ سُبُوا بَعْدَ أَنْ نَقَضُوا حَتَّى دَخَلَ سَبْيُهُمْ الْمَدِينَةَ، سَبَاهُمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.

.(فِي عَبْدِ أَهْلِ الْحَرْبِ يَخْرُجُ إلَيْنَا تَاجِرًا لِيُسْلِمَ):

فِي عَبْدِ أَهْلِ الْحَرْبِ يَخْرُجُ إلَيْنَا تَاجِرًا لِيُسْلِمَ وَمَعَهُ مَالٌ لِمَوْلَاهُ، أَيُخَمَّسُ؟
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ عَبْدًا لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَأَسْلَمَ وَمَعَهُ مَالٌ لِمَوْلَاهُ، أَيَكُونُ حُرًّا وَيَكُونُ الْمَالُ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَاهُ لِلْعَبْدِ وَلَا أَرَى فِيهِ تَخْمِيسًا وَلَيْسَ الْخُمْسُ إلَّا فِيمَا أَوْجَفَ عَلَيْهِ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ.
عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ نَزَلَ وَأَصْحَابٌ لَهُ بِأَيْلَةَ فَشَرِبُوا خَمْرًا حَتَّى سَكِرُوا، وَنَامُوا مَعَهُمْ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ كُفَّارٌ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَقَامَ إلَيْهِمْ الْمُغِيرَةُ فَذَبَحَهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ أَخَذَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَسَارَ بِهِ حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْلَمَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَدَفَعَ الْمَالَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّا لَا نُخَمِّسُ مَالَ أَحَدٍ غَصْبًا»، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ الْمَالَ فِي يَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَارِثِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَتَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ قَتَلَ أَصْحَابَهُ، وَجَاءَ بِغَنَائِمِهِمْ فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ الْمَالَ لِلْمُغِيرَةِ وَهُوَ كَافِرٌ وَهُمْ كُفَّارٌ.
اللَّيْثُ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ قَالَ فِي قِبْطِيٍّ فَرَّ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ بِمَالٍ وَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ.
قَالَ: الْمَالُ مَالُ الَّذِي فَرَّ بِهِ وَإِنْ جَاءَ مُسْلِمًا فَالْمَالُ مَالُهُ وَهُوَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَائْتَمَنُوهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَلْيُؤَدِّ أَمَانَتَهُ إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ، وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهُمْ وَيَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا قَدِرَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُؤْتَمَنْ عَلَيْهِ فَلْيَفْعَلْ.

.(فِي عَبِيدِ أَهْلِ الْحَرْبِ يُسْلِمُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَيَسْقُطُ عَنْهُمْ المُلْكُ):

فِي عَبِيدِ أَهْلِ الْحَرْبِ يُسْلِمُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَيَسْقُطُ عَنْهُمْ مُلْكُ سَادَاتِهِمْ أَمْ لَا؟
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ عَبِيدًا لِأَهْلِ الْحَرْبِ أَسْلَمُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَيَسْقُطُ عَنْهُمْ مُلْكُ سَادَاتِهِمْ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى أَنْ يَسْقُطَ مُلْكُ سَادَاتِهِمْ عَنْهُمْ إلَّا أَنْ يَخْرُجُوا إلَيْنَا إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ خَرَجُوا سَقَطَ عَنْهُمْ مُلْكُ سَادَاتِهِمْ، أَلَا تَرَى أَنَّ بِلَالًا أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْلَاهُ فَاشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْتَقَهُ، وَكَانَتْ الدَّارُ يَوْمئِذٍ دَارَ الْحَرْبِ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ ظَاهِرَةً يَوْمئِذٍ، فَلَوْ كَانَ إسْلَامُ بِلَالٍ أَسْقَطَ مُلْكَ سَيِّدِهِ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ وَلَاؤُهُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَلَكَانَ إذَا مَا صَنَعَ فِي اشْتِرَائِهِ إيَّاهُ إنَّمَا هُوَ فِدَاءٌ فَلَيْسَ هُوَ هَكَذَا وَلَكِنَّهُ مَوْلَاهُ، وَأَمَّا الَّذِينَ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدَمَا أَسْلَمُوا وَتَرَكُوا سَادَاتِهِمْ فِي دَارِ الشِّرْكِ، فَهَؤُلَاءِ قَدْ أَعْتَقَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُرُوجِهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُمْ عَبِيدٌ لِأَهْلِ الطَّائِفِ الَّذِينَ نَزَلُوا عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَسْلَمُوا وِسَادَاتُهُمْ فِي حِصْنِ الطَّائِفِ عَلَى الشِّرْكِ، فَأَعْتَقَهُمْ الْإِسْلَامُ وَخُرُوجهمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قُلْت: أَمَّا بِلَالٌ فَإِنَّمَا أَعْتَقَهُ أَبُو بَكْرٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ أَحْكَامُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَلَيْسَ لَك فِي هَذَا حُجَّةٌ وَإِنَّمَا كَانَتْ تَكُونُ لَك حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَك أَنْ لَوْ كَانَ هَذَا بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَظُهُورِ أَحْكَامِهِ.
قَالَ: هِيَ حُجَّةٌ حَتَّى يَأْتِيَ مَا يَنْقُضُهَا وَلَا نَعْرِفُ أَنَّهُ جَاءَ مَا يَنْقُضُ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ خَرَجَ الْعَبِيدُ مُسْلِمِينَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وِسَادَاتُهُمْ مُسْلِمُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ خَرَجَ سَادَاتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ رُدُّوا إلَيْهِمْ وَكَانُوا عَبِيدًا وَلَمْ يُعْتَقُوا.
وَلَوْ دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ دَارَ الْحَرْبِ فَأَصَابُوا عَبِيدًا مُسْلِمِينَ وِسَادَاتُهُمْ مُشْرِكُونَ، كَانُوا أَحْرَارًا وَلَا يُرَدُّونَ إلَى سَادَاتِهِمْ إنْ أَسْلَمَ سَادَاتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ حِينَ دَخَلَ إلَيْهِمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ فَكَأَنَّهُمْ خَرَجُوا إلَيْهِمْ.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إذَا خَرَجَ الْعَبْدُ قَبْلَ مَوْلَاهُ فَأَسْلَمَ ثُمَّ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُرَدَّ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إسْلَامُ سَادَاتِهِمْ قَبْلُ».

.(الْعَبْدِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ يُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَشْتَرِيه رَجُلٌ):

الْعَبْدِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ يُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَشْتَرِيه رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ عَبْدًا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَسْلَمَ فَدَخَلَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأَمَانٍ فَاشْتَرَاهُ، أَيَكُونُ رَقِيقًا لَهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُ قَوْلَ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا، وَلَكِنِّي أَرَاهُ رَقِيقًا، لِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُسْلِمْ سَيِّدُهُ وَهُوَ فِي دَارِ لِحَرْبِ وَالْعَبْدُ فِي يَدِهِ، كَانَ رَقِيقًا مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَيْنَا، فَإِذَا بَاعَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلَيْنَا فَهُوَ رَقِيقٌ مِثْلَ مَا صَنَعَ مَوْلَى بِلَالٍ وَشِرَاءِ أَبِي بَكْرٍ بِلَالًا.
قَالَ: وَلِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ سَبَاهُ أَهْلُ الشِّرْكِ، فَاشْتَرَاهُ مِنْهُمْ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: إنَّهُ رَقِيقٌ، فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمَوْلَاهُ حَرْبِيٌّ أَنَّهُ رَقِيقٌ، إنْ اشْتَرَاهُ مِنْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ رَقِيقٌ لَهُ وَلَوْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْنَا كَانَ رَقِيقًا لَهُ.
قَالَ أَشْهَبُ: إذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَقَطَ عَنْهُ مُلْكُ سَيِّدِهِ أَقَامَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ خَرَجَ إلَيْنَا، وَإِنْ اُشْتُرِيَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ كَرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ اُشْتُرِيَ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَتْبَعُ بِمَا اُشْتُرِيَ بِهِ.

.فِي عَبِيدِ أَهْلِ الْحَرْبِ يُسْلِمُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَغْنِمُهُمْ الْمُسْلِمُونَ:

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ جَيْشًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ غَزَوْهُمْ فَغَنِمُوا أُولَئِكَ الْعَبِيدَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِعَدُوِّهِمْ فِي أَيْدِي سَادَاتِهِمْ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَأَرَى أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ مُلْكٌ يُرَدُّونَ إلَيْهِ، فَهَؤُلَاءِ أَحْرَارٌ حِينَ غَنِمَهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ حِينَ حَازُوهُمْ إلَيْهِمْ فَكَأَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُمْ إلَيْنَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يُخْرِجُونَهُمْ أَحْرَارًا، فَكَذَلِكَ إذَا حَازُوهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَغَنِمُوهُمْ فَهُمْ أَحْرَارٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: هُوَ حُرٌّ وَهُوَ آخِرُهُمْ.

.فِي اسْتِرْقَاقِ الْعَرَبِ إذَا سُبُوا:

قُلْت: أَرَأَيْت الْعَرَبَ إذَا سُبُوا هَلْ عَلَيْهِمْ الرِّقُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا أَقُومُ عَلَيْهِ لَك، وَهُمْ فِي مَنْزِلَةِ الْأَعَاجِمِ.

.فِي الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ يَمُوتُ وَيَتْرُكُ مَالًا مَا حَالُ مَالِهِ؟

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَمَاتَ عِنْدَنَا وَتَرَكَ مَالًا مَا، حَالُ مَالِهِ هَذَا أَيَكُونُ فَيْئًا أَمْ يُرَدُّ إلَى وَرَثَتِهِ؟
قَالَ: يُرَدُّ إلَى وَرَثَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ: وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟
قَالَ مَالِكٌ: وَيَدْفَعُ دِيَتَهُ إلَى وَرَثَتِهِ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ، فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى مَسْأَلَتِك أَنَّ مَالَهُ لِوَرَثَتِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَتُدْفَعُ دِيَتُهُ وَمَالُهُ إلَى حُكَّامِهِمْ، وَأَهْلُ النَّظَرِ لَهُمْ حَتَّى كَأَنَّهُمْ كَانُوا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مَاتُوا عِنْدَهُمْ.

.فِي مُحَاصَرَةِ الْعَدُوِّ وَفِيهِمْ الْمُسْلِمُونَ أُسَارَى:

قُلْت: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي حِصْنٍ مِنْ حُصُونِهِمْ حَاصَرَهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَفِيهِمْ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أُسَارَى فِي أَيْدِيهِمْ أَيُحَرَّقُ هَذَا الْحِصْنُ وَفِيهِ هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى أَوْ يُغْرَقُ هَذَا الْحِصْنُ؟
قَالَ: سَمِعْت مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ قَوْمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي الْبَحْرِ فِي مَرَاكِبِهِمْ أَخَذُوا أُسَارَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَأَدْرَكَهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ أَرَادُوا أَنْ يُحْرِقُوهُمْ وَمَرَاكِبَهُمْ بِالنَّارِ وَمَعَهُمْ الْأُسَارَى فِي مَرَاكِبِهِمْ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ تُلْقَى عَلَيْهِمْ النَّارُ وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ لِأَهْلِ مَكَّةَ: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} أَيْ إنَّمَا صُرِفَ النَّبِيُّ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ لِمَا كَانَ فِيهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ تَزَيَّلَ الْكُفَّارُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ لَعُذِّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَيْ هَذَا تَأْوِيلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
سَحْنُونٌ، عَنْ الْوَلِيدِ عَمَّنْ سَمِعَ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ فِي الْقَوْمِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَلْقَوْنَ سَفِينَةً مِنْ سُفُنِ الْعَدُوِّ فِيهَا سَبْيٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟
قَالَ: يُكَفُّ عَنْ تَحْرِيقِهَا مَا كَانَ فِيهَا مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ فِي الْحِصْنِ الَّذِي حَصَرَهُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ ذَرَارِيُّ الْمُشْرِكِينَ وَنِسَاؤُهُمْ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَحَدٌ، تَرَى أَنْ تُرْسَلَ عَلَيْهِ النَّارُ فَيُحَرَّقَ الْحِصْنُ وَمَا فِيهِ أَوْ يُغْرِقُوهُ؟
قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ وَأَكْرَهُ هَذَا وَلَا يُعْجِبُنِي.
قُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ أَخْبَرْتَنِي أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تُحَرَّقَ حُصُونُهُمْ وَيُغَرَّقُوا.
قَالَ: إنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَتْ خَاوِيَةً لَيْسَ فِيهَا ذَرَارِيٌّ وَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا الرِّجَالُ الْمُقَاتِلَةُ فَأَحْرَقُوهُمْ؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنْ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الْخَيْلَ فِي غَشْمِ الْغَارَةِ تُصِيبُ مِنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُمْ مِنْهُمْ أَوْ هُمْ مَعَ الْآبَاءِ» أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ مِثْلَهُ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ: قَالَ: سَمِعْتُ أَشْيَاخَنَا يَقُولُونَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَى أَهْلَ الطَّائِفِ بِالْمَنْجَنِيقِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فِيهَا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ».

.فِي تَحْرِيقِ الْعَدُوِّ مَرَاكِبَ الْمُسْلِمِينَ:

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ السَّفِينَةَ إذَا أَحْرَقَهَا الْعَدُوُّ وَفِيهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ، أَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ لَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الْبَحْرِ، وَهَلْ تَرَاهُمْ قَدْ أَعَانُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ؟
قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا إنَّمَا فَرُّوا مِنْ الْمَوْتِ إلَى الْمَوْتِ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَيُّمَا رَجُلٍ يَفِرُّ مِنْ النَّارِ إلَى أَمْرِ يَعْرِفُ أَنَّ فِيهِ قَتْلَهُ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ إذَا كَانَ إنَّمَا يَفِرُّ مِنْ مَوْتٍ إلَى مَوْتٍ أَيْسَرَ مِنْهُ، فَقَدْ جَاءَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ رَجَاءَ النَّجَاةِ مِنْهُ وَيُقِيمُ لَعَلَّهُ أَنْ يَرَى قَرْيَةً أَوْ يَكُونَ الْأَسْرُ أَرْجَى عِنْدَهُ أَنْ يَخْلُوَهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ مِنْ الْإِقَامَةِ فِي النَّارِ، فَكَانَ مُتَحَمِّلًا لِأَمْرٍ عَظِيمٍ يَرْجُو النَّجَاةَ فِيهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ وَإِنْ عَطِبَ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: إنْ صَبَرَ فَقَدْ أُكْرِمَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ اقْتَحَمَ فَقَدْ عُوفِيَ وَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
ابْنُ وَهْبٍ، وَسُئِلَ رَبِيعَةُ عَنْ قَوْمٍ كَانُوا فِي سَفِينَةٍ فَانْخَرَقَتْ أَيُثْقِلُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ بِسِلَاحِهِ فَيَغْرَقَ، أَمْ يَعُومُ فَيَلْتَمِسُ النَّجَاةَ بَالِغًا مَا بَلَغَ أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ بِقُرْبِ عَدُوٍّ فَهُوَ يَخَافُ أَنْ يُؤْسَرَ إنْ عَامَ؟ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ رَبِيعَةُ: كِلَاهُمَا لَا أُحِبُّهُمَا، وَلَكِنْ لِيَثْبُتْ فِي مَرْكَبِهِ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ.

.فِي قَسْمِ الْفَيْءِ وَأَرْضِ الْخَرَاجِ وَالْخُمْسِ:

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْفَيْءَ كَيْفَ يُقْسَمُ وَهَلْ سَمِعْتَ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْفَيْءُ وَالْخُمْسُ سَوَاءٌ يُجْعَلَانِ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
قَالَ: وَبَلَغَنِي عَمَّنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: وَيُعْطِي الْإِمَامُ أَقْرِبَاءَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى وَيَجْتَهِدُ، وَأَمَّا جِزْيَةُ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَا عِلْمَ لِي بِهَا وَلَا أَدْرِي كَيْفَ كَانَ يُصْنَعُ فِيهَا، إلَّا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَدْ أَقَرَّ الْأَرْضَ، فَلَمْ يَقْسِمْهَا بَيْنَ النَّاسِ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا، وَكُنْت أَرَى لَوْ أَنْ نَزَلَ هَذَا بِأَحَدٍ سَأَلَ أَهْلَ تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَأَهْلَ الْعِلْمِ وَالْأَمَانَةِ كَيْفَ كَانَ الْأَمْرُ فِيهِ، فَإِنْ وَجَدَ عِلْمًا يَشْفِيهِ وَإِلَّا اجْتَهَدَ فِي ذَلِكَ هُوَ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَالِ الَّذِي يُقْسَمُ فِي وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ يَنْظُرُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ ذَلِكَ الْمَالُ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْبُلْدَانِ، فَإِنْ رَأَى غَيْرَهُ مِنْ الْبُلْدَانِ وَالْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمَالُ مُتَكَافِئَيْنِ فِي الْحَاجَةِ، بُدِئَ بِاَلَّذِي فِيهِ الْمَالُ وَأَعْطَاهُمْ بِقَدْرِ مَا يَسَعُهُمْ وَيُغْنِيهِمْ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ أَعْطَاهُ غَيْرَهُمْ أَوْ يُوقِفُهُ إنْ رَأَى ذَلِكَ لِنَوَائِبِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْبَلْدَةِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ حَاجَةً مِنْهُمْ فَقَدْ يَأْتِي عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الْبُلْدَانِ بَعْضُ الزَّمَانِ وَبِهِمْ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْ الْجُدُوبَةِ وَهَلَاكِ الْمَوَاشِي وَالْحَرْثِ وَقِلَّةِ الْمَالِ، فَإِذَا كَانَ عَلَى ذَلِكَ أَعْطَى أَهْلَ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمَالُ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ، وَيَنْقُلُ أَكْثَرَ ذَلِكَ الْمَالِ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْجُدُوبَةُ وَالْحَاجَةُ، وَكَذَلِكَ حَقُّ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إنَّمَا هُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَإِنْ تَفَرَّقُوا فِي الْبُلْدَانِ وَالْمَنَازِلِ لَا يَقْطَعُ ذَلِكَ حَقَّهُمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْفَيْءَ الَّذِي قَالَ مَالِكٌ يُجْعَلُ الْفَيْءُ وَالْخُمْسُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، أَيُّ فَيْءٍ هَذَا؟ قَالَ مَا أُصِيبَ مِنْ الْعَدُوِّ فَخُمْسٌ، وَكُلُّ أَرْضٍ افْتَتَحَهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ بِصُلْحٍ فَهَذَا فَيْءٌ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَقْتَسِمُوهَا وَأَهْلُهَا عَلَى مَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهَذَا فَيْءٌ، وَكُلُّ أَرْضٍ افْتَتَحُوهَا عَنْوَةً فَتُرِكَتْ لَمْ تُقْسَمْ وَلَوْ أَرَادُوا أَنْ يَقْسِمُوهَا لَقَسَمُوهَا فَتَرَكُوهَا لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَهَذَا الَّذِي قَالَ مَالِكٌ يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِيهَا وَمَنْ حَضَرَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا الْجَمَاجِمُ فِي خَرَاجِهِمْ فَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْءٌ إلَّا أَنِّي أَرَى الْجَمَاجِمَ تَبَعًا لِلْأَرْضِ إذَا كَانُوا عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا.
ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَوْمَ افْتَتَحَ الْعِرَاقَ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُك تَذْكُرُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ سَأَلُوك أَنْ تُقَسِّمَ بَيْنَهُمْ مَغَانِمَهُمْ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَتَاك كِتَابِي هَذَا فَانْظُرْ مَا أَجْلَبَ النَّاسُ عَلَيْك إلَى الْعَسْكَرِ مِنْ كُرَاعٍ أَوْ مَالٍ، فَاقْسِمْهُ بَيْنَ مَنْ حَضَرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاتْرُكْ الْأَرَضِينَ وَالْأَنْهَارَ لِعُمَّالِهَا لِيَكُونَ ذَلِكَ فِي أَعْطِيَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّك لَوْ قَسَمْتهَا بَيْنَ مَنْ حَضَرَ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ بَقِيَ بَعْدَهُمْ شَيْءٌ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْفَيْءِ أَيُسَوَّى بَيْنَ النَّاسِ فِيهِ أَمْ يُفَضَّلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُفَضَّلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيُبْدَأُ بِأَهْلِ الْحَاجَةِ حَتَّى يُغْنَوْا مِنْهُ.

.فِي قَسْمِ الْفَيْءِ مِنْ الْجِزْيَةِ وَجَائِزَةِ الْإِمَامِ:

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ جِزْيَةَ جَمَاجِمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَخَرَاجَ الْأَرَضِينَ مَا كَانَ مِنْهَا عَنْوَةً وَمَا صَالَحَ أَهْلَهَا عَلَيْهَا، مَا يَصْنَعُ بِهَذَا الْخَرَاجِ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هَذِهِ جِزْيَةٌ وَالْجِزْيَةُ عِنْدَ مَالِكٍ فِيمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ فَيْءٌ كُلُّهُ.
قال سَحْنُونٌ: وَقَدْ أَعْلَمْتُك مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَنْوَةِ، قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَمَنْ يُعْطَى هَذَا الْفَيْءُ وَفِيمَنْ يُوضَعُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي كُلِّ أَهْلِ بَلْدَةٍ افْتَتَحُوهَا عَنْوَةً أَوْ صَالَحُوا عَلَيْهَا هُمْ أَحَقُّ بِهَا، يَقْسِمُ عَلَيْهِمْ وَيَبْدَأُ بِفُقَرَائِهِمْ حَتَّى يُغْنَوْا وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ إلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِقَوْمٍ حَاجَةٌ، فَيَنْقُلَ مِنْهُمْ إلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَ أَهْلَهَا.
يُرِيدُ مَا يُغْنِيهِمْ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ أَوْ الِاجْتِهَادِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَبِذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا يَخْرُجُ فَيْءُ قَوْمٍ إلَى غَيْرِهِمْ.
قَالَ: وَرَأَيْت مَالِكًا يَأْخُذُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي كَتَبَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَصَاحِبَيْهِ إذْ وَلَّاهُمْ الْعِرَاقَ، حِينَ قَسَمَ لِأَحَدِهِمْ نِصْفَ شَاةٍ وَلِلْآخَرِينَ رُبْعًا رُبْعًا فَكَانَ فِي كِتَابِ عُمَرَ إلَيْهِمْ: إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ فِي هَذَا الْمَالِ كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ: {فَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: يَبْدَأُ بِالْفُقَرَاءِ فِي هَذَا الْفَيْءِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كَانَ بَيْنَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ بِالسَّوَاءِ، إلَّا أَنْ يَرَى الْوَالِي أَنْ يَحْبِسَهُ لِنَوَائِبَ مِنْ نَوَائِبِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ رَأَيْت ذَلِكَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ عَرَبِيُّهُمْ وَمَوْلَاهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي عَمِلْت عَمَلًا وَإِنَّ صَاحِبِي عَمِلَ عَمَلًا وَإِنْ بَقِيت إلَى قَابِلٍ لَأُلْحِقَنَّ أَسْفَلَ النَّاسِ بِأَعْلَاهُمْ.
قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ، أُعْطِيهِ وَأَمْنَعُهُ حَتَّى لَوْ كَانَ رَاعِيًا أَوْ رَاعِيَةً بِعَدَنَ قَالَ: وَرَأَيْت مَالِكًا يُعْجِبُهُ هَذَا الْحَدِيثُ وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: قَدْ يُعْطِي الْوَالِي الرَّجُلَ يُجِيزُهُ لِأَمْرٍ يَرَاهُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الدَّيْنِ أَيْ عَلَى وَجْهِ الدَّيْنِ مِنْ الْوَالِي يُجِيزُهُ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ بِجَائِزَةٍ أَوْ لِأَمْرٍ يَرَاهُ قَدْ اسْتَحَقَّ الْجَائِزَةَ، فَلَا بَأْسَ عَلَى الْوَالِي بِجَائِزَةٍ مِثْلِ هَذَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَهَا هَذَا الرَّجُلُ، قُلْتُ: أَيُعْطِي الْمَنْفُوسَ مِنْ هَذَا الْمَالِ؟
قَالَ: نَعَمْ قَدْ أَخْبَرَنِي مَالِكٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَرَّ لَيْلَةً فَسَمِعَ صَبِيًّا يَبْكِي، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: مَا لَكُمْ لَا تُرْضِعُونَهُ؟ فَقَالَ أَهْلُهُ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَا يَفْرِضُ لِلْمَنْفُوسِ حَتَّى يُفْطَمَ وَإِنَّا فَطَمْنَاهُ.
قَالَ: فَوَلَّى عُمَرُ وَهُوَ يَقُولُ كِدْت وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَنْ أَقْتُلَهُ، فَفَرَضَ لِلْمَنْفُوسِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِائَةَ دِرْهَمٍ، قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَنْفُوسُ وَالِدُهُ غَنِيٌّ أَلَيْسَ يَبْدَأُ بِكُلِّ مَنْفُوسٍ وَالِدُهُ فَقِيرٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي.
قُلْتُ: أَفَكَانَ يُعْطِي النِّسَاءَ مِنْ هَذَا الْمَالِ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مَالِكٍ؟
فَقَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقْسِمُ لِلنِّسَاءِ حَتَّى أَنْ كَانَ لَيُعْطِيهِنَّ الْمِسْكَ، وَمُجْمَلُ مَا رَأَيْت مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْفَقِيرَةِ مِنْهُنَّ قَبْلَ الْغَنِيَّةِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا قَوْلُ مَالِكٍ يُسَوِّي بَيْنَ النِّسَاءِ فِي هَذَا الْفَيْءِ، أَرَأَيْتَ الصَّغِيرَةَ وَالْكَبِيرَةَ وَالْمَرْأَةَ وَالرَّجُلَ أَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ؟
قَالَ: إنَّمَا تَفْسِيرُهُ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ إنْسَانٍ بِقَدْرِ مَا يُغْنِيهِ،
الصَّغِيرَ بِقَدْرِ مَا يُغْنِيهِ، وَالْكَبِيرَ بِقَدْرِ مَا يُغْنِيهِ، وَالْمَرْأَةَ بِقَدْرِ مَا يُغْنِيهَا، هَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ عِنْدِي يُسَوِّي بَيْنَ النَّاسِ فِي هَذَا الْمَالِ، قُلْتُ: فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَمَا اسْتَغْنَى أَهْلُ الْإِسْلَامِ مِنْ هَذَا الْمَالِ فَضْلٌ؟
فَقَالَ: ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، إنْ رَأَى أَنْ يَحْبِسَ مَا بَقِيَ لِنَوَائِبِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ حَبَسَهُ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُفَرِّقَهُ عَلَى أَغْنِيَائِهِمْ فَرَّقَهُ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قُلْت: أَهَذَا الْفَيْءُ حَلَالٌ لِلْأَغْنِيَاءِ؟
فَقَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَقَدْ حَدَّثَنِي مَالِكٌ أَنَّهُ أُتِيَ بِمَالٍ عَظِيمٍ مِنْ بَعْضِ النَّوَاحِي فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ فَصُبَّ فِي الْمَسْجِدِ فَبَاتَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَحْرُسُونَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ كُشِفَ عَنْهُ أَنْطَاعٌ أَوْ مُسُوحٌ كَانَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَصَابَتْهُ الشَّمْسُ انْفَلَقَتْ وَكَانَتْ فِيهِ تِيجَانٌ، فَبَكَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ هَذَا حِينَ بُكَاءٍ إنَّمَا هَذَا حِينُ شُكْرٍ، فَقَالَ: إنِّي أَقُولُ مَا فَتَحَ اللَّهُ هَذَا عَلَى قَوْمٍ قَطُّ إلَّا سَفَكُوا عَلَيْهِ دِمَاءَهُمْ وَقَطَعُوا أَرْحَامَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لِابْنِ الْأَرْقَمِ: اُكْتُبْ لِي النَّاسَ فَكَتَبَهُمْ ثُمَّ جَاءَ بِالْكِتَابِ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ كَتَبْتَ النَّاسَ؟
قَالَ: نَعَمْ قَدْ كَتَبْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرِينَ مِنْ الْعَرَبِ وَالْمُحَرَّرِينَ يَعْنِي الْمُعْتَقِينَ.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: ارْجِعْ فَاكْتُبْ فَلَعَلَّك تَرَكْتَ رَجُلًا لَمْ تَعْرِفْهُ، أَرَادَ أَنْ لَا تَتْرُكَ أَحَدًا فَفِي هَذَا مَا يَدُلُّك أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَقْسِمُ لِجَمِيعِ النَّاسِ.
قَالَ: وَسَمِعْت مَالِكًا يَذْكُرُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ بِمِصْرَ فِي زَمَنِ الرَّمَادَةِ.
قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: وَزَمَنُ الرَّمَادَةِ أَكَانَتْ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ؟
فَقَالَ: بَلْ كَانَتْ سِتَّ سِنِينَ.
قَالَ: فَكَتَبَ إلَيْهِ، وَاغَوْثَاهُ وَاغَوْثَاهُ وَاغَوْثَاهُ، قَالَ فَكَتَبَ إلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ.
قَالَ: فَكَانَ يَبْعَثُ إلَيْهِ بِالْبَعِيرِ عَلَيْهِ الدَّقِيقُ فِي الْعَبَاءِ قَالَ فَيَقْسِمُهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَيَدْفَعُ الْحِمْلَ بِبَعِيرِهِ كَمَا هُوَ إلَى أَهْلِ الْبَيْتِ فَيَقُولُ لَهُمْ: كُلُوا دَقِيقَهُ وَالْتَحِفُوا الْعَبَاءَةَ وَانْحَرُوا الْبَعِيرَ وَائْتَدِمُوا شَحْمَهُ وَكُلُوا لَحْمَهُ.